جريمة الفيدرالي.. مَن يدفع ثمنها؟


لا تزال الحرب الروسية- الأوكرانية تلقي بآثارها الوخيمة على الاقتصاد العالمي، وهذا نتيجة تشابك المصالح بين الدب الروسي وسيطرته على موارد الطاقة لدول أوروبا وعمق الروابط بين روسيا والكتلة الشرقية المتمثلة في الصين وكوريا.

على الصعيد الآخر، نجد الدور الأمريكي البارز والجلي تارة والمستتر تارة أخرى؛ لتأجيج ذلك الصراع نظرًا لتضارب المصالح الأمريكية الروسية، فعلى مدار الأحداث التاريخية نجد أن معظم الكبوات والأزمات الاقتصادية العالمية بدأت من أمريكا، ومن ثم تصديرها إلى العالم، وعلى الرغم من ذلك يكون الاقتصاد الأمريكي هو الأسرع في التعافي، وتلهث وراءه باقي اقتصادات العالم، آخذة عدة سنوات للتعافي، فضلا عن الأضرار السلبية للجوانب الاقتصادية والاجتماعية للشعوب.


ارتفعت معدلات التضخم السنوي في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل متسارع وغير مسبوق منذ بداية عام 2021ن حيث سجلت 1.4%, 1.7%, 2.6%, 4.2%, 5%, 5.4%, 5.4%, 5.3% و5.4% و6.2% و6.8% و7% و7.5% و7.9% و8.5% عن الشهور بداية من يناير 2021 حتى مارس 2022 على الترتيب، في حين أن أمريكا تستهدف نسبة تضخم سنوي لا تزيد عن 2%.

وعلى الرغم من تحقيق معدلات عائد حقيقي لسعر الفائدة بالسالب منذ مارس 2020 وحتى تاريخه، والتي سجلت سالب 8% في مارس 2022؛ إلا أن تراخي دور الفيدرالي الأمريكي في استخدام أدوات السياسة النقدية يعد أمر غير مفهوم؛ فطيلة عامين كاملين ومع تصاعد معدلات التضخم -كما أشرنا سابقًا- لم يتخذ الفيدرالي الأمريكي أي قرار لتحريك أسعار الفائدة من أجل كبح جماح التضخم، علمًا أنه سبق وأن توقعنا-في عدة مقالات سابقة- عن حتمية رفع الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة لتصل تدريجيا إلى 2.5% كسابق عهدها في الفترة من 2017 إلى 2019. 


لكن لماذا الآن وبالتحديد منذ مارس 2022 ومع اشتعال الحرب الروسية- الأوكرانية ينهض الفيدرالي الأمريكي من سُباته العميق، ويتم تحريك أسعار الفائدة بوتيرة متسارعة بمعدلات متوقعة قد تصل إلى زيادة بنسبة 1% بصورة ربع سنوية لتتخطى 3% مطلع عام 2023؟!


قام الفيدرالي الأمريكي مطلع مايو الجاري بتحريك سعر الفائدة لتصل إلى 1% إلا أن معدل الفائدة الحقيقي لا يزال سلبيا، وبنسبة بلغت سالب 8% لشهر مارس الماضي، إلا أن العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات صعدت لتسجل 3.092% وهو أعلى مستوى منذ عام 2018، كما ارتفع العائد على سندات الخزانة لاجل 30 عامًا لتسجل 3.188%، وارتفع العائد على الديون مستحقة السداد بعد عامين لتسجل 2.732%.


مَن يدفع الثمن؟

عالميًا

إذا نظرنا للتاريخ سنجد خوض العديد من الرؤساء الأمريكيين حروبًا خلال أول عامين لهم في البيت الأبيض، ونظرًا لعدم تحقيق العقوبات الأمريكية على الصين النتائج المرجوة، فإن استهداف الولايات المتحدة لروسيا عبر نشر المعلومات الاستخباراتية التي تشير إلى رغبة روسيا في غزو أوكرانيا، والمساهمة في تأجيج الصراع لتكون أمريكا أكبر المستفيدين، حيث فرضت الأخيرة عقوبات على روسيا، واستبعدتها من نظام السويفت العالمي، وجمدت الأموال الروسية لديها، ما أدى إلى عدم استقرار قيمة الروبل الروسي، وارتفاع أسعار الطاقة، لا سيما البترول والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى تعزيز قوة الدولار، والإسراع في نقل رؤوس الأموال الأوروبية إلى الولايات المتحدة، ما يعيد مكانة الولايات المتحدة مرة أخرى، ويرفع معدلات صادراتها من الأسلحة.

ليس هذا فحسب، بل إن المكاسب الكبرى للولايات المتحدة تتمثل في خلق اضطرابات اقتصادية للاتحاد الأوروبي من أجل دفع الدول الأوروبية نحو الاعتماد على البدائل الأمريكية، وبالتالي تعزيز النفوذ الأمريكي على الاتحاد الاوروبي، إضافة إلى ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج؛ نظرًا لاستمرار ارتفاع أسعار الطاقة، وعدم تحسن سلاسل الإمداد، واستمرار ارتفاع أسعار الغذاء؛ مما يؤدي إلى ارتفاع وتيرة التضخم، وخلق اضطرابات اجتماعية نتيجة لانخفاض القوى الشرائية من ثبات معدلات الدخل للأفراد.


نستنتج مما سبق أن الولايات المتحدة ترغب في خلق مناخ جاذب تجاه الدولار بعد أن استشعرت الخطر بعد رفع روسيا لمبدأ تسوية التعاملات التجارية الدولية بالعملات المحلية وليس بالدولار، مما أدى إلى ارتفاع الروبل أمام الدولار بعد أن بلغ 1 دولار 133.5 روبل في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية ليستعيد الروبل قيمته مقابل الدولار ليسجل 1 دولار 66.5 روبل، وبعد تراجع الثقة العالمية في الاحتفاظ بالاحتياطيات في صورة دولارية، حيث قامت بعض البنوك المركزية بتحويل جزء من احتياطياتها النقدية إلى ذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، وتحوطا ضد أي تذبذب لسعر الدولار عالميا على المدى المتوسط.


كما أن الفترة القادمة ستشهد المزيد من خروج تدفقات النقود الساخنة للأجانب من العديد من اقتصادات العالم لا سيما الاقتصادات الناشئة، والاقتصادات عالية المخاطر، وتحويل وجهة تلك الأموال الساخنة تجاه الاقتصاد الأمريكي؛ للاستفادة من ارتفاع العوائد على أذون الخزانة الامريكية، كما اشرنا من قبل، مما يضع مزيدا من الضغوط على الدول ذات المديونية الكبيرة، وتسدد بالدولار بقيم مرتفعة.


محليًا

إن الاقتصاد المصري ليس بمنأى عن الأوضاع الاقتصادية العالمية، فالمتغيرات العالمية والإقليمية لها تاثيرات ملموسة على الشأن الداخلي. وفقا للبنك المركزي ارتفع معدل التضخم السنوي ليسجل 14,9% لشهر إبريل 2022 مقابل 4,4 % للشهر نفسه من العام السابق، وذلك نتيجة لارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة تخطت 23% على رأسها الخضروات والزيوت والحبوب كتداعيات لأزمة ارتفاع الأسعار العالمية لمواد الغذاء والطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد.


كما انخفض الجنيه أمام الدولار بحوالي 17% ليتخطى 1 دولار أكثر من 18.40 جنيه مقابل 15.60 جنيه في السابق، بالإضافة إلى انخفاض الاحتياطي النقدي ليسجل حوالي 37.08 مليار دولار بنهاية مارس الماضي مقابل 40.09 بنهاية فبراير 2022، وذلك نتيجة استخدام البنك المركزي لجزء من الاحتياطي النقدي الأجنبي لتغطية احتياجات الدولة من السلع الأساسية والاستراتيجية، بالإضافة إلى تغطية تخارج استثمارات الأجانب من أدوات الدين وسوق المال، وأيضًا سداد الالتزامات الدولية الخاصة بالمديونية الخارجية للدولة، علمًا أن الاحتياطي النقدي لا يزال قادرًا على تغطية أكثر من 5 أشهر من الواردات السلعية، متخطيًا المؤشرات الدولية لكفاية الاحتياطيات.


أيضًا أظهرت بيانات البنك المركزي استمرار تراجع صافي الأصول الأجنبية المصرية للشهر الخامس على التوالي، إذ انخفضت بقيمة ملحوظة بلغت 60 مليار جنيه لتسجل سالب 50.3 مليار جنيه عن شهر فبراير الماضي، مما قد يعود تفسيرة كنتيجة لزيادة تدفق الواردات، وقيام البنك المركزي بالوفاء بالالتزامات المتعلقة بالدين الخارجي، بالإضافة إلى خروج الأموال الساخنة والمتمثلة في استثمارات أجنبية من أدوات الدين المصرية، كسائر الحال في باقي الأسواق الناشئة التي شهدت خروج الأموال الساخنة، وتغيير وجهتها تجاه أمريكا.


الخاتمة

إن الأحداث والمتغيرات العالمية ألقت بظلالها على الاقتصاد المصري كسائر اقتصادات العالم، لكن علينا أن ندرك أن تراخي الفيدرالي الأمريكي في استخدام ادوات السياسة النقدية أسفر عن موجات من التضخم بالولايات المتحدة، والتي سرعان ما تم تصدير تلك الموجات التضخمية للعديد من دول العالم ومنها مصر، كما أن لتوقيت رفع الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة بعد حالة من التكاسل لمدة عامين -كما أوضحنا من قبل- والتي تزامنت مع اشتعال الحرب الروسية- الأوكرانية؛ له العديد من علامات الاستفهام، خاصة أن الفترات القادمة من المتوقع لها أن تشهد زيادة وتيرة ارتفاع الفائدة الأمريكية لتصل ما بين 2.5% و3% بحلول الربع الأول من عام 2023.

في رأييي الشخصي الذي قد يصيبه الصواب أو الخطأ، أعتقد أن الاقتصاد المصري قد تلقَّى الجزء الأكبر من صدمة الأحداث العالمية، وإن كانت تبعات تلك الصدمة والمتمثلة في المزيد من ارتفاعات معدلات التضخم نظرًا لاستمراره عالميًا، وبالتالي تصديرها لمصر، قد تستمر تلك الحالة لفترات قد تمتد لنهاية عام 2023 إلى أن يتم احتواء التضخم، ومعاودة تحقيق معدلات فائدة حقيقية ايجابية، أخذًا في الاعتبار استقرار وثبات تصنيف مصر الائتماني مع نظرة مستقبلية مستقرة.


وفيما يخص أسعار الفائدة، أتمنى عدم زيادتها والإبقاء عليها عند معدلاتها الحالية دون تغيير؛ لأن التضخم الحالي في مصر هو ناتج عن أحداث عالمية أدت إلى زيادة التكاليف عالميًا ومحليًا، فاحتواؤه يكون بتحفيز الإنتاج، عكس الحال إن كانت أسباب التضخم نتيجة زيادة الطلب، فمِن ثم رفع الفائدة لتجفيف السيولة بالأسواق هي أحد أفضل الحلول، وهنا يجب أن نكرر الإشادة بالدور البارز الذي يقوم به البنك المركزي المصري في حماية مكتسبات برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يقودة ببراعة فائقة. 


كما تجدر الإشارة إلى أن مبادرات البنك المركزي لتمويل مختلف قطاعات الشركات بفائدة مخفضة يتحمل تكلفتها البنك المركزي لها آثار إيجابية في احتواء التضخم، وعدم خروجه عن السيطرة، إضافة إلى توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي باستثناء مستلزمات الإنتاج والمواد الخام من إجراءات الاعتمادات المستندية التي تم تطبيقها مؤخراً على عملية الاستيراد، والعودة إلى نظام مستندات التحصيل؛ مما سيساهم في توفير المواد الخام اللازمة للتصنيع المحلي، ويساعد في زيادة الإنتاج، ووفرة المعروض؛ مما سيحُد من زيادات الأسعار بالسوق المحلي، أيضًا تلك التوجيهات ستساعد في تخفيف الطلب على الدولار، وبالتالي ستساهم في استقرار سعر الصرف أمام الجنيه.


فيما يخص سعر الصرف، تلاحظ خروج موجات كبرى من الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة تجاه الولايات المتحدة، ومن غير المتوقع أن تستعيد تلك الأسواق الناشئة جزءًا من جاذبيتها على المدى القصير؛ نظرًا للأسباب سابق تحليلها، أما فيما يخص الشأن المصري فنجد أن البنك المركزي قد أصدر أذون خزانة مطلع يناير الماضي لأجل 364 يومًا بمتوسط فائدة 2.994% والتي هي الأعلى فائدة من نظيرتها الأمريكية لنفس الأجل القصير، وأتمنى استبدال الأموال الساخنة باستثمارات حقيقية في مختلف قطاعات الاقتصاد المصري، خاصة أننه توجد فرصة ذهبية للممستثمرين العرب والأجانب في استبدال وجهة استثمارتهم نحو الاقتصاد المصري بدلًا من نظيره التركي الذي قاب قوسين أو أدنى من الانهيار في ظل ارتفاع التضخم بتركيا، الذي بلغ 70% مع انهيار الليرة التركي نتيجة فشل السياسات المالية والنقدية.


وعلي الصعيد ذاته، أناشد أجهزة الدولة المُضي قدمًا في ترشيد الاستيراد، وتقديم حوافذ للمنتجين المحليين لتشجيع التوجه نحو المنتج المحلي، وتوفير بدائل للمنتجات والمكونات المستوردة؛ من أجل تخفيف الضغط على الميزان التجاري. 


وإذ أشيد بالقرارات الأخيرة للبنك المركزي الصادر للبنوك بشأن منع قبول أي مصادر من النقد الأجنبي مجهولة المصدر، أو التي تم الحصول عليها من شركات الصرافة، ويستخدمها العملاء من الأفراد أو الشركات لتدبير عمليات استيرادية؛ وذلك منعا لتواجد سوق موازٍ للعملات الأجنبية؛ فالحفاظ على استقرار سعر صرف العملات الأجنبية سيساهم في احتواء التضخم، وعدم زيادة تكاليف الإنتاج، وفي هذا الصدد أناشد البنك المركزي توجهة الشركات نحو تفعيل إجراءات الحوكمة الداخلية، وضرورة إفصاح مراقبي الحسابات عن مصادر العملات الأجنبية أو الأرصدة الدائنة الأجنبية المقومة بالعملة المحلية في كل مركز مالي؛ وذلك تحوّطًا من حيازة أي من الشركات للنقد الأجنبي مجهول المصدر.



بقلم الدكتور/ أحمد مجدي منصور
المحاضر والخبير الاقتصادي