بنوك مصر

ads
07
أكتوبر
02:41 ص
د. محمد رشدي
د. محمد رشدي

«المركزي» يواجه تسونامي التحديات الاقتصادية بحرفية

الأحد 14/أغسطس/2022 - 09:13 م
الكثير منّا يردد كلمة تسونامي، ولا يعرف المعنى الحقيقي لها؛ تتألف كلمة "تسونامي" من الكلمات اليابانية "تسو" (بمعنى الميناء) و"نامي" (بمعنى موجة). تسونامي عبارة عن سلسلة من الموجات الضخمة التي أنشأتها اضطرابات تحت الماء، ولها عادة علاقة مع الزلازل التي تحدث في الأسفل، أو بالقرب من المحيط، والعديد منّا يتذكر أنه في عام 2004 حدثت كارثة بشرية أسفرت عن مصرع عدد كبير من الأشخاص، فقد ضربت موجات هائلة وصل ارتفاعها إلى 9 أمتار أو أكثر شواطئ إندونيسيا وسيرلانكا والهند وجزر المالديف وتايلاند. 


والجدير بالذكر أن السبب الرئيسي الذي أدى إلى وقوع كارثة تسونامي هو حدوث زلزال تحت سطح البحر وصلت قوة هذا الزلزال إلى 9.1 درجة؛ مما تسبب في تشكيل سلسلة من الموجات المحيطة وقد أدت إلى خسائر بشرية ومالية ضخمة.


ولا شك أن ما يمُر به الاقتصاد المصري أشبه ما يوصف به بتسونامي، فقد عانى الاقتصاد المصري للعديد من العقود، وكانت الروشتة العلاجية آنذاك هي المسكنات، وذلك إلى أن جاء القرار الشجاع لإجراء الجراحة اللازمة التي قد تؤدي لبعض الآلام المؤقتة، وذلك من أجل تحقيق التعافي الاقتصادي، وقد قامت المجموعة الاقتصادية بتوجيه من القيادة السياسية بالعمل جانباً إلى جنب لتقود عملية العبور الاقتصادي الذي أراه لا يقل في أهميته وتأثيره عن قرار عبور خط بارليف الذي كان حجر الأساس لبناء الاستقرار السياسي لوطننا الغالي.


وقبل أن أشرع في الكاتبة صمتُ وأخذت أفكر قليلاً من أين سابدأ القصة، فوجدت نفسي أتذكر الوضع الاقتصادي قبل قرار التعويم مباشرةً، حيث كان سعر صرف الدولار في البنوك المصرية عند مستوى 8.88 جنيه ولم يكن متوافراً، وبمجرد صدور قرار التعويم وضع البنك المركزي المصري سعراً استرشادياً لصرف الدولار عند 13 جنيهاً، وأخذت أجهزة الدولة وعلى رأسها البنك المركزي المصري التدابير لمكافحة السوق السوداء، والعمل على تقليل آثار التضخم الذي وصل إلى 33%، بالإضافة إلى تبني اللا الدولرة De dollarization، وعملت الدولة على ذلك من خلال تحفيز العملاء بتحويل مدخراتهم من الدولارات إلى الجنيه المصري؛ للاستفادة من أسعار الفوائد المرتفعة لشهادات الاستثمار. 


وبحلول العام 2017 بدأت السوق تدخل في مرحلة الاستقرار، ويشهد الدولار تراجعاً ليسجل مستوى 18.30 جنيه، ثم واصل التراجع إلى مستوى 17.25 جنيه خلال العام 2019 لينتهي سعر صرف الدولار إلى مستوى 15.64 جنيهاً قبل الازمة الأوكرانية الروسية، وتشير التقديرات غير الرسمية إلى أن السوق السوداء للعملة كانت تسيطر على ما يقرب من 60% من إجمالي التعاملات بالدولار قبل التعويم، وهو ما تسبب في خسائر عنيفة وكبيرة للبنوك التي ابتعد عنها المتعاملون في ظل أسعار صرف كبيرة في السوق السوداء، مقارنة بالأسعار التي تطرحها البنوك، لكن مع إحكام الرقابة على سوق الصرف وترك الدولار للعرض والطلب والسيطرة على الواردات وتقنينها بالتعاون بين البنك المركزي المصري ووزارة التجارة والصناعة، استقر الطلب على العملة الصعبة وزاد المعروض الدولاري في البنوك ما تسبب في أن يهوي سعر صرف الدولار، ويتصدر الجنيه المصري أفضل عملات الأسواق الناشئة مقابل الدولار.


من خلال قرارات تحرير سعر الصرف وتعويم الجنيه التي استهدفت خفض عجز الموازنة والدين العام، وخفض الدين العام الذي ارتفع بنسب كبيرة خلال الفترات الماضية. أما الهدف الثاني من تحرير سعر الصرف فيتمثل في استكمال إصلاح منظومة الدعم وترشيد الإنفاق الحكومي، وتنفيذ أحد أهم اشتراطات صندوق النقد الدولي، حتى يتسنَّى للحكومة المصرية الحصول على ثقة صندوق النقد الدولي. ويتركز الهدف الثالث في خفض الواردات ووقف الاستيراد العشوائي، حيث تشير الأرقام والبيانات المتاحة إلى أن فاتورة الاستيراد بمصر تتراوح ما بين 70 و80 مليار دولار سنوياً، ما يضغط على احتياطي البلاد من النقد الأجنبي.


أما الهدف الرابع من تعويم عملة الجنيه فيتمثل في زيادة الصادرات وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي. كما تهدف الحكومة المصرية إلى تحقيق التوازن المطلوب بين الإجراءات الترشيدية واحتواء لآثارها على محدودي الدخل.


ويتمثل الهدف السادس من تحرير سعر الصرف في تمكين البنك المركزي المصري من الالتزام بتوفير الدولار لسد الفجوات الاستيرادية في السلع الأساسية والاستراتيجية، أما الهدف السابع من عملية التعويم فيتمثل في القضاء على ظاهرة الدولرة والمضاربة على الدولار في السوق السوداء، وقد أدى ذلك إلى زيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي ليتجاوز 40 مليار دولار قافزاً من 19 مليار دولار.


واستهداف معدلات التضخم التي لامست مستويات صعبة خلال الأيام السابقة للتعويم، تسارع النمو الاقتصادي ليصل إلى 5.3% خلال الثلاثة أربع الأولى من العام المالي 2017/2018، كما تم احتواء التضخم بعد الارتفاع قصير المدى وذلك بعد قرار التعويم، حيث سجل معدل التضخم 33% في يوليو 2017، وقد انخفض ليصل إلى 11.4% في مايو 2018، وقد وصل بعد ذلك إلى مستويات وصلت إلى 5% إلى أن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد جاءت جائحة كورونا فبرغم تلك الجائحة التي أنهكت اقتصادات أكبر الدول عالمياً فكانت مصر نموذجا يُحتذى به، فكانت ثاني دولة تحقق أعلى معدلات نمو اقتصادي، وبعد ذلك حققت مصر معدل نمو بلغ 9.8% خلال الربع الأول من العام المالي 2021 -2022، وهو أعلى معدل نمو ربع سنوي على مدار 20 عاما. 


وما كادت مصر أن تمتص آثار تلك الصدمات المتتالية والتي تجاوزتها بجدارة فتأتي الحرب الأوكرانية الروسية، وترمي بتبعيتها الاقتصادية على المجتمع الدولي، حيث تمثل روسيا وأوكرانيا 30% من إمدادات القمح في العالم، فروسيا أكبر المصدرين عالميا وأوكرانيا ضمن أكبر 5 دول مصدرة، وقد وصل سعر القمح عالمياً إلى 435 دولارا في مايو 2022 بالمقارنة بنفس الشهر العام الماضي 270 دولارا بنسبة نمو بلغت 165%، أما على مستوى النفط فقد وصل سعر برميل البترول إلى 112 دولارا بالمقارنة بنفس الشهر العام الماضي 67 دولارا للبرميل بنسبة ارتفاع بلغت 45%، مما تسبب في ارتفاع تكلفة المعيشة على المستوى العالمي؛ مما أدى إلى زيادة معدلات التضخم على المستوى العالمي؛ مما تتبعه قيام عدة بنوك مركزية في العالم لرفع أسعار الفائدة، بعد رفع البنك المركزي الأمريكي سعر الفائدة في خطوة لاحتواء أزمة التضخم العالمي - ارتفاع الأسعار - الناتج عن استمرار تداعيات أزمة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.


قد عملت كافة قطاعات الدولة علي قلب رجل واحد لمواجهة الأزمات العالمية المتلاحقة، وعلى الرغم من أن مصر تستورد حوالي 80% من القمح من روسيا وأوكرانيا بواقع 50% من روسيا و30% من أوكرانيا، فقد قامت القيادة السياسية بخطوات استباقية بتوفير بدائل لخلق مخزون استراتيجي للقمح يكفي حتى نهاية يناير 2023، وقد أعلنت الحكومة حزمة من القرارات بهدف التعامل مع الأزمة الراهنة، وتخفيف آثارها على المواطنين، تضمنت تخصيص 130 مليار جنيه للتعامل مع هذه التداعيات، كما اتخذت قرارا بطرح شهادة ادخار جديدة مدتها سنة بسعر عائد سنوي يبلغ نحو 18%.


وقد قام البنك المركزي بالعديد من الإجراءات الهامة لتعمل مع تلك الأزمة، فقد قام برفع سعر الفائدة بـ 300 نقطة حتى الآن لمواجهة موجة التضخم العالمية، بالإضافة إلى الاستمرار في دعم المبدرات الخاصة بالـ SMEs وذلك تماشياً مع الخطة التنموية للحكومة المصرية، بالإضافة إلى المشروعات القومية، وتبني فقه الأولويات للاستيراد، وذلك للحد من التضخم والضغط على العملة الصعبة ودعم الصناعة المحلية للمشاركة في الاكتفاء الذاتي، وتزامنا مع رؤية مصر 2030، بالإضافة إلى توفير فائض من العملات الأجنبية لدعم الاحتياطي.


وفي النهاية، إني على يقين أن مَن زرع حصد، وأن حصادنا الاقتصادي سيكون من أطيب أنواع الثمار، وبقي لنا أن تتكاتف مؤسسات العمل المدني مع الحكومة المصرية في خطتها الاقتصادية الطموحة، والعمل على توعية المواطن بتحديد أوليات الإنفاق؛ مما سينعكس على الاقتصاد القومي بالإيجاب. حفظ الله مصر قادةً وشعباً.


بقلم الدكتور/ محمد رشدي

خبير مصرفي

إرسل لصديق

ads
ads
كيف تجري معاملاتك المالية خلال أزمة كورونا؟

كيف تجري معاملاتك المالية خلال أزمة كورونا؟
Top