بنوك مصر

ads
16
مايو
05:24 م
د. أحمد مجدي منصور
د. أحمد مجدي منصور

شبح التضخم.. فزاعة جديدة ام بداية الانهيار؟

الأحد 24/أكتوبر/2021 - 12:27 م
لا تزال جائحة كورونا تلقي بظلالها وتبعاتها الوخيمة على الاقتصاد العالمي، فنتج عن توقف وانقطاع سلاسل التوريد العالمية ونقص الإمدادات وتوقف الكثير من الشركات والمصانع جزئيا أو بشكل كامل عن العمل لأشهر طويلة إلى تراجع الإنتاج والمعروض مما ادى إلى فجوة بين العرض والطلب. علاوة على ذلك، شهدت أسعار البترول زيادة ملحوظة مما ادي الي زيادة تكاليف الشحن ومن ثم كانت العوامل جميعها تشير إلى زيادة مرتقبة في الأسعار وحدوث موجة من التضخم عالميا.
 
يعد ما سبق نتيجة منطقية لتأثيرات جائحة كورونا، في ظل رغبة الدول في استعادة عافيتها اقتصاديا ومن ثم ازداد الطلب على المواد الخام لمعاودة الإنتاج والتشغيل وتقليص معدلات البطالة، وسبق ان نوهنا لتلك التأثيرات في عدة مقالات منذ بداية الجائحة، لكن يدهشني تشبيهات بعض الاقتصادين عالميا لتلك الموجة التضخمية، فالبعض يري أن موجة التضخم الحالية شبيهة بما حدث مطلع خمسينيات القرن الماضي، مع الانتعاش الاقتصادي في اعقاب الركود الشديد اثناء فترة الحرب العالمية الثانية، ومع استمرار نمو الاقتصاد بعد الحرب، استقرت معدلات التضخم بشكل جيد من دون الحاجة لإجراءات تعديلات في السياسات النقدية. بينما يري البعض الاخر ان الموجة الحالية للتضخم تشبه ما حدث في سبعينات القرن الماضي ابان حرب أكتوبر المجيدة وقطع العرب لامدادات البترول عن الغرب.
في هذا المقال سنتناول أسباب موجة التضخم الحالية وتبعاتها عالميا ومحليا

ملحوظة: جميع البيانات ادناة هي وفقا للإحصائيات الرسمية الصادرة عن البنوك المركزية للدول المذكورة. البيانات الخاصة عن حجم اجمالي الناتج المحلي هي وفقا لبيانات البنك الدولي, معدلات النمو صادرة عن صندوق النقد الدولي بتاريخ أكتوبر2021.

الولايات المتحدة الأميركية:
إذا تضرر الاقتصاد الامريكي أكبر اقتصادات العالم، تضررت معظم اقتصادات العالم، ولنا عبر من العديد من الازمات الاقتصادية التي حدثت منذ القرن الماضي. بلغ حجم اجمالي الناتج المحلي الامريكي 20.9 تريليون دولار لعام 2020, ومن المقلق ان نجد ارتفاع لمعدلات التضخم السنوي في الولايات المتحدة الامريكية بشكل كبير ومتسارع منذ بداية عام 2021 حيث سجلت 1.4%, 1.7%, 2.6%, 4.2%, 5%, 5.4%, 5.4%, 5.3% و5.4% عن الشهور بداية من يناير حتى سبتمبر 2021 على الترتيب، في حين ان امريكا تستهدف نسبة تضخم سنوي لا تزيد عن 2% لعام 2021.

تعد معدلات التضخم الحالية في الولايات المتحدة هي الأعلى منذ الازمة المالية العالمية في 2008, حيث تعد ارتفاع أسعار المسكن والأغذية والبترول والغاز الطبيعي والمواد الخام وتكاليف الشحن، وتعطل سلاسل الامداد هي الأسباب الرئيسية لارتفاع التضخم مصحوبة ببدء تعافي الاقتصاد وزيادة الطلب على مدخلات الانتاج من اجل تخطي الاثار السلبية لجائحة كورونا و تعويض المنتجين و المصنعين لجزء من خسائرهم.

الجدير بالذكران معدلات التضخم السنوي المستهدفة في امريكا خلال عام الكورونا 2020 كانت 2% لكن إذا تمت المقارنة بمعدلات التضخم الفعلية في عام 2020 سنجد انها سجلت متوسط 1.23% بينما سجل الحد الاقصي 2.5% في يناير2020 مقارنة بالنسبة الادني التي بلغت 0.1% في مايو 2020.

من الايجابيات ان نجد توقعات صندوق النقد الدولي لإجمالي الناتج المحلي الأمريكي لعام 2021 و2022 عند 6% و5.2% على الترتيب مقارنة بنسبة نمو فعلية بلغت سالب 3.4% و2.3% لعام 2020 و2019 على الترتيب مما يشير الي قدرة الاقتصاد الأمريكي على احتواء الاثار التضخمية.

على الصعيد الاخر، انخفض معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى 4.8% في سبتمبر 2021 مقابل 7.8% لذات الشهر لعام 2020, فمعدل البطالة الحالي هو أدنى معدل منذ ابريل 2020 الذي بلغ 14.8%, فمنحني البطالة في اتجاه هابط منذ تلك الفترة مع توقعات بمزيد من الانخفاض في معدل البطالة في الفترة القادمة، حيث تقوم الشركات بعمليات التوظيف من اجل مسايرة حجم الطلب ومواكبة تعافي الاقتصاد، مما يشير الي تراجع الاثار السلبية لجائحة كورونا.

الصين:
الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصادات العالم بأجمالي ناتج محلي بلغ 14.7 تريليون دولار لعام 2020. سجل معدل التضخم السنوي في الصين سالب 0.3%, سالب 0.2%, 0.4%, 0.9%, 1.3%, 1.1%, 1%, 0.8% و0.7% عن الشهور بداية من يناير حتى سبتمبر 2021 على الترتيب، في حين ان الصين تستهدف نسبة تضخم سنوي تبلغ 3% لعام 2021.

يلاحظ مما سبق تذبذب معدلات التضخم في الصين والتي قفزت بداية من مارس 2021 بسبب ارتفاع أسعار الوقود وارتفاع تكلفة النقل والمواصلات وزيادة اسعار الملابس والمنسوجات، لكن سرعان ما اتخذت معدلات التضخم منحني هابط بداية من يونيو 2021 وذلك بسبب انخفاض تكلفة الغذاء محليا في الصين.

تجدر الاشارة ان معدلات التضخم السنوي المستهدفة في الصين خلال عام الكورونا 2020 كانت 3.5% لكن إذا تمت المقارنة بمعدلات التضخم الفعلية في عام 2020 سنجد انها سجلت متوسط 2.5% بينما سجل الحد الاقصي 5.4% في يناير2020 مقارنة بالنسبة الادني التي بلغت سالب 0.5% في نوفمبر 2020.

من أحد المؤشرات الايجابية ان نجد توقعات صندوق النقد الدولي لإجمالي الناتج المحلي الصيني لعام 2021 و2022 عند 8% و5.6% على الترتيب مقارنة بنسبة نمو فعلية بلغت 2.3% و6% لعام 2020 و2019 على الترتيب مما يشير الي قدرة الاقتصاد الصيني على تخطي كافة الاثار التضخمية.

ايضا انخفض معدل البطالة في الصين إلى 4.9٪ في سبتمبر 2021 مقابل 5.4% في سبتمبر 2020، وهو أدنى مستوى منذ ديسمبر 2018, فمنحني البطالة في اتجاه هابط منذ يناير 2021, حيث خططت الصين لتوفير11 مليون فرصة عمل جديدة، وتم تحقيق المستهدف بنسبة بلغت 95% حيت تم توفير 10.45 مليون وظيفة جديدة، مما يؤكد علي تجاوز الاثار السبية لجائحة كورونا.

المانيا:
يعد الاقتصاد الالماني هو الرابع عالميا وأكبر اقتصاد بأوروبا، اذ بلغ اجمالي الناتج المحلي الالماني 3.8 تريليون دولار لعام 2020. ومن المؤكد ان اي ضرر للاقتصاد الالماني هو ضرر مباشر لاقتصاد اوروبا بأكملها, ومن المخيف ان نجد ان التضخم السنوي لالمانيا اخد في منحني صعودي بشكل خطيرمنذ بداية عام 2021 حيث سجل 1%, 1.3%, 1.7%, 2%, 2.5%, 2.3%, 3.8%, 3.9% و4.1% عن الشهور بداية من يناير حتى سبتمبر 2021 على الترتيب، بينما يستهدف البنك المركزي الاوروبي معدل تضخم 2% لعام 2021.

تعد معدلات التضخم الحالية في المانيا هي الأعلى على الاطلاق على مدار ثلاث عقود وتحديدا منذ ديسمبر 1993, وان من اهم اسباب موجة التضخم التاريخية حاليا يعود لاجراءات السياسة المالية التي تم تطبيقها في عام 2020 وتحديدا التخفيض المؤقت لـمعدلات ضريبة القيمة المضافة مما نتج عنة انخفاض ملحوظ في الاسعار لعام 2020. ناهيك عن بوادر قرب انحصار جائحة كورونا وما ترتب من زيادة الطلب المحلي على مدخلات الانتاج بداية من عام 2021, مصحوبة بارتفاع اسعار الطاقة مثل الغاز والبترول وايضا ارتفاع اسعار الغذاء والخدمات، بالإضافة الي عدم انتظام سلاسل الامداد.

تجدر الاشارة ان معدلات التضخم السنوي في الاقتصاد الالماني خلال عام الكورونا 2020 كانت في منحني هابط حيث سجلت معدلات سالبة خلال الستة أشهر الاخيرة من عام 2020, كما سجل متوسط التضخم السنوى 0.5% بينما سجل الحد الاقصي 1.7% في يناير2020 مقارنة بالنسبة الادني التي بلغت سالب 0.3% في نوفمبر 2020.
 
يتوقع صندوق النقد الدولي ان يحقق اجمالي الناتج المحلي لألمانيا نسب نمو لعام 2021 و2022 عند 3.1% و4.6% على الترتيب مقارنة بنسبة نمو فعلية بلغت سالب 4.6% و1.1% لعام 2020 و2019 على الترتيب مما يتيح فرصة جزئية لاحتواء الاثار التضخمية.

كما استقر معدل البطالة في المانيا ليسجل نفس النسبة التي بلغت 5.5% في سبتمبر وأغسطس 2021 دون تغيير، وذلك بسبب إجراءات تخفيض القيود الاحترازية لمواجهة جائحة كورونا.

إنجلترا:
الاقتصاد الانجليزي هو الخامس عالميا وثان أكبر اقتصاد بأوروبا، بإجمالي ناتج محلي بلغ 2.7 تريليون دولار لعام 2020. ارتفعت معدلات التضخم السنوى في انجلترا لتسجل 0.7%, 0.4%, 0.7%, 1.5%, 2.1%, 2.5%, 2%, 3.2% و3.1% عن الشهور بداية من يناير حتى سبتمبر2021 على الترتيب، في حين ان بنك انجلترا "البنك المركزي" يستهدف معدل تضخم 2% لعام 2021.

تعود اسباب ارتفاع التضخم حاليا في 2021 لاتجلترا للاجراءات المتخذة من قبل الحكومة في عام 2020 عندما خفضت بصورة مؤقتة ضريبة القيمة المضافة على المطاعم والمقاهي في ظل مبادرة لتشجيع المواطنين على الخروج من المنازل ومعاودة اسلوب الحياة الطبيعي مما نتج عنة انخفاض ملحوظ في اسعار الاغذية والخدمات لعام 2020. بينما نجد ان خلال عام 2021 ارتفعت اسعار خدمات الترفيه والنقل والمواصلات واسعار السيارات المستعملة، كل ذلك مصحوبا بارتفاع اسعار الطاقة مثل الغاز والبترول والكهرباء، بالإضافة الي عدم انتظام سلاسل الامداد.

الجدير بالذكران معدلات التضخم السنوى في انجلترا خلال عام الكورونا 2020 سجلت متوسط 0.85%, بينما سجل المعدل الاعلي 1.8% عن شهر يناير 2020, مقارنة بالنسبة الادني التي سجلت 0.2% في اغسطس من ذات العام.

وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، من المتوقع ان تحقق إنجلترا معدلات نمو لإجمالي الناتج المحلي لعام 2021 و2022 بنسبة 6.8% و5% على الترتيب مقارنة بنسبة نمو فعلية بلغت سالب 9.8% و1.4% لعام 2020 و2019 على الترتيب, مما سيساعد في انحصار الاثار السلبية للتضخم الحالي.

كما انخفض معدل البطالة في المملكة المتحدة إلى 4.5% في أغسطس 2021 هو ذات المعدل الذي تم تحقيقه في ذات الشهر من عام 2020، المعدل الحالي هو أدنى مستوى في لعام 2021 مقارنة باعلي معدل الذي بلغ 5.1% في مطلع العام الجاري، حيث استمر سوق العمل في التعافي متماشيا مع حجم الطلب وبدء تعافي الاقتصاد وتخطي ازمة كورونا.

فرنسا:
فرنسا صاحبة ثالث أكبر اقتصاد بأوروبا بإجمالي ناتج محلي بلغ 2.6 تريليون دولار لعام 2020, شهدت ايضا ارتفاع في معدلات التضخم لكن بصورة اقل حدة من امريكا والمانيا وإنجلترا، وايضا في حدود مستهدفات التضخم لعام 2021 المقدرة ب 2%. حيث سجل معدل التضخم الفعلي 0.6%, 0.6%, 1.1%, 1.2%, 1.4%, 1.5%, 1.2%, 1.9% و2.2% عن الشهور بداية من يناير حتى سبتمبر 2021 على الترتيب.

ان اسباب ارتفاع التضخم سابق ذكرها في البلدان الأوروبية هي ذات الأسباب في فرنسا المتمثلة في ارتفاع أسعار الخدمات وأسعار الغذاء والتبغ، بالإضافة الي ارتفاع اسعار الطاقة مثل الغاز والبترول والكهرباء، وارتفاع أسعار مدخلات التصنيع مصحوبة بعدم انتظام سلاسل الامداد.

تجدر الاشارة ان معدلات التضخم السنوى في فرنسا خلال عام الكورونا 2020 سجلت متوسط 0.475%, بينما سجل المعدل الاعلي 1.5% في شهر يناير 2020, مقارنة بالنسبة الادني التي سجلت صفر في الاربع أشهر الاخيرة من العام نفسه.

تشير تقديرات صندوق النقد الدولي، انه من المتوقع ان تحقق فرنسا معدلات نمو لإجمالي الناتج المحلي لعام 2021 و2022 بنسبة 6.3% و3.9% على الترتيب مقارنة بنسبة نمو فعلية بلغت سالب 8% و1.8% لعام 2020 و2019 على الترتيب، مما سيساهم في تقليل الاثار السلبية للتضخم الحالي.

أيضا سجل معدل البطالة في فرنسا خلال 2021 عند 8% بنهاية يوليو مقارنة ب 7.1% في يوليو 2020, مما يشير الي استقرار معدلات البطالة دون انحرافات ملحوظة، وهو بالتأكيد يشير الي بدء التعافي الاقتصادي كسائر الدول سابق الإشارة اليها.

مصر:
الاقتصاد المصري ذات إجمالي ناتج محلي بلغ 363 مليار دولار لعام 2020, يشهد معدل تضخم سنوي سجل 4.28%, 4.45%, 4.47%,4.1%,4.82%, 4.93%,5.44%,5.68% و 6.57% عن الشهور بداية من يناير حتى سبتمبر2021 على الترتيب, ولا يزال معدل التضخم السنوي عند النطاق المستهدف الذي وضعه البنك المركزي عند مستوى 7% (بزيادة أو نقصان 2%) في المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2022.

تجدر الاشارة ان معدلات التضخم السنوى في مصر خلال عام الكورونا 2020 سجلت متوسط 5%, بينما سجل المعدل الاعلي 7.16% في شهر يناير 2020, مقارنة بالنسبة الادني التي سجلت 3.36% في اغسطس من نفس العام.

تشير تقديرات صندوق النقد الدولي، انه من المتوقع ان تحقق مصرمعدلات نمو لإجمالي الناتج المحلي لعام 2021 و2022 بنسبة 3.3% 5.2% على الترتيب مقارنة بنسبة نمو فعلية بلغت 3.6% 5.6% لعام 2020 و2019 على الترتيب، مما سيساهم في تقليص الاثار السلبية للتضخم الحالي.

انخفض معدل البطالة في مصر خلال الربع الثاني من عام 2021 ليسجل 7.3% مقارنة ب 9.6% عن نفس الفترة من عام 2020, وذلك نتيجة حرص الدولة على اتخاذ مجموعة من التدابير الاستراتيجية والإجراءات الفعالة والسريعة للحفاظ على انتعاش سوق العمل واستمرار دوران عجلة الإنتاج رغم جائحة كورونا التي أثرت على أكبر اقتصادات العالم.

الخلاصة والاستنتاجات:
عالميا:
ان ما تم استعراضة من بيانات للتضخم العام السنوي هي من اجل تحليل لاسباب موجة التضخم الحالي, فاذا ما تطرقنا لمؤشرات التضخم الاساسي الذي يستبعد التغير في اسعار الغذاء و الطاقة سنجدها سجلت عن شهر سبتمبر2021: 4% في امريكا و 1.2% في الصين و 2.9% في المانيا و ايضا 2.9% في انجلترا و 1.3% في فرنسا و 4.84% في مصر.
 
في ضوء ما تم من اجراء دراسة مقارنة لاكبر اقتصادات العالم و اكثرها تاثيرا, يتلاحظ لنا ان تعطل سلاسل الامداد العالمية و ارتفاع اسعر الغذاء و الطاقة, مع بدء تعافي الاقتصاد العالمي و زيادة الطلب علي مدخلات الانتاج هي احد الاسباب الرئيسية لموجة التضخم العالمية في الوقت الراهن, حيث أشارت بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن أسعار الغذاء عالميا ارتفعت بنسبة 33% في أغسطس الماضي على أساس سنوي، مع ارتفاع أسعار العديد من السلع مثل الزيوت النباتية والحبوب واللحوم، لتسجل أعلى مستوياتها في 10 سنوات. كما ارتفعت أسعار النفط العالمية إلى أعلى مستوياتها فى 3 سنوات ليغلق برميل خام برنت عند 82.58 دولارفى العقود الآجلة تسليم ديسمبر المقبل, بالاضافة الي نقص مخزون الغاز الطبيعي لدي العديد من الدول الاوروبية , فإن أسعار الغاز الطبيعي وصلت إلى أعلى معدل لها منذ عام 2009، حيث كسرت أسعار الغاز الطبيعي حاجز الـ 6 دولار للمليون وحدة حرارية، كما ارتفع سعر العقود الآجلة للغاز الطبيعي في أوروبا ليحطم رقما قياسيًا جديدًا، وتجاوز للمرة الأولى في التاريخ حاجز 1300 دولار لكل ألف متر مكعب.

ان فاتورة جائحة كورونا, سيتكبدها اقتصادات الدول ذات الاقتصادات الهشة و مؤشرات كلية مترنحة, فان اكبر اقتصادات العالم قد قاموا بتصدير موجة من التضخم العالمي نتيجة التراخي في ايجاد لقاح لفيروس كورونا فور ظهورة,ان العالم يحصد اشواك الاجراءات المشددة و المبالغ فيها الذي اتبعتها حكومات الدول الكبري من اغلاق كلي لفترة طويلة. انني مؤمن ان سلامة المجتمعات و الشعوب هي الهدف الاسمي لحكومات الدول, لكن تلك الحكومات اساءت تقدير الازمة و تعسفت في تطبيق اغلاق كلي لفترات طويلة دون اللجوء لحلول بديلة و ادارة للازمات مثل تطبيق انظمة العمل من المنازل او العمل بطاقات انتاجية مخفضة بانظمة تناوب او ايجاد حلول اخري ذكية و فعالة, لكن الاغلاقات الكلية هي كانت بمثابة التكاسل للهروب من الازمة.

ان كبري اقتصادات العالم في طريقها للتعافي خلال عام 2022, وعلي المدي القصير و الطويل هم ليسوا بحاجة لاجراء تعديلات في سياستهم النقدية, باستثناء امريكا علي المدي القصير, فمن الوارد ان تتجة امريكا مؤقتا نحو سياسة نقدية انكماشية و رفع اسعار الفوائد بحد اقصي 1.5% مع ثبات كافة العوامل الاخري. لكني اري ان مشكلة التضخم ليست في امريكا فحسب, لكنها اكثر خطورة في المانيا حيث ان مؤشرات التضخم تنذر بعميق القلق, وعلي البنك المركزي الاوروبي دعم الاقتصاد الالماني بمحفزات عاجلة.

ليس ذلك فحسب, بل ان احد طرق احتواء التضخم يكمن في يد منظمة اوبك و البلدان المصدرة للغاز الطبيعي و لاسيما روسا, فعليهم ترجيح المنطق و احتساب تكلفة الفرص البديلة وزيادة انتاجهم و ينبغي علي روسيا زيادة امداد اوروبا من الغاز ليس للانتاج فقط, بل ايضا لتشغيل وسائل التدفئة خلال فصل الشتاء الحالي. فاذا اقتصروا النظر الي مكاسبهم الاقتصادية من ارتفاع اسعار الطاقة سيجدونها ستتاكل بشبح التضخم العالمي, لذلك ان زيادة انتاج البترول و الطاقة ستساهم بشكل كبير و فعال مما قد يؤدي لتلاشي شبح التضخم عالميا بحلول النصف الثاني من 2022.
 
محليا:
اذا ما تطرقنا للوضع محليا سيتضح جليا اننا حاايا امام اقتصاد مصري صلب تم انتشالة من فوضي الربيع العربي وانقاذ البلاد من مصير لبنان و اليمن و ليبيا و غيرهم. فتم ترسيخ اركان الدولة المصرية و تدعيم ركائز الاقتصاد المصري ببرنامج اصلاح اقتصادي متكامل, بل هو برنامج اصلاح اقتصادي جذري والاعمق والاشمل الذي يتم تطبيقة في تاريخ الاقتصاد المصري, فتلك حقائق يدركها و تشيد بها كبري المؤسسات الاقتصادية العالمية، لكن المصممين علي تغافل واستنكار تلك الحقائق فاما هم الا بمجموعة من الخونة المتربصين او السذج التابعين.
فعلينا ان ندرك ان الاقتصاد المصري تخطي مهددات و ازمات داخلية طاحنة و شديدة التعقيد, فتوابع 2011 كلفت مصر حوالي 400 مليار دولار وفقا لتصريحات رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، اي ما يقارب حجم الاقتصاد المصري المتوقع تحقيقة بنهاية العام الجارى. و لولا برنامج الاصلاح الاقتصادي و تحرير سعر الصرف والنهوض بالصناعة المحلية والاهتمام بالتصدير وتقليص الواردات وتنفيذ برامج التنمية الشاملة من انشاء مدن جديدة وتحقيق طفرة غير مسبوقة في انشاء شبكات طرق جديدة وتدعيم البنية التحتية والقضاء علي العشوائيات وبرامج الحماية الاجتماعية وغيرها الكثير, لكنا الان نواجه شبح التضخم بما لا يحمد عقباة.

وهنا اخص بالذكر الاجراءات الرشيدة التي تم اتباعها لمواجهة ازمة جائحة كورونا فانتقد البعض عدم تطبيق الحكومة للاغلاق الكلي، في حين ان ذلك الاجراء تحديدا بالتزامن مع تطبيق كافة الاجراءات الاحترازية كان لة عظيم الاثر في استمرار عجلة الانتاج و التنمية وخلق فرص عمل جديدة مما ساهم في تخفيض البطالة و تحقيق مصر لمعدلات نمو ايجابية خلال 2020 والمضي قدما كما ذكرنا سابقا في تحقيق نسب نمو متوقعة لعامي 2021 و 2022 بنسبة 3.3% و 5.2% علي التوالي.

ما يزيدني ثقة في قدرات الاقتصاد المصري هو توجيهات القيادة السياسية في التوسع في الزراعة وانشاء صوامع لوجيستية للحبوب والغلال من اجل تحقيق الاكتفاء الذاتي للغذاء والعديد من الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية التي هي احد الاسباب الرئيسية لموجة التضخم العالمي. اضف الي ذلك توجيهات القيادة السياسية بتكليف اجهزة الدولة لانشاء موانيء جديدة ورفع كفاءة و تطوير الموانئ الحالي وتحويلها الي مناطق لوجيستية عالمية، بالاضافة إلى تذليل كافة العقبات من اجل التوسع في مجالات الطاقة والتعدين والبتروكيماويات، فنجد مصر لا يفصلها سوي خطوات قليلة لتكون مركز عالمي للطاقة ويمد اوروبا بالغاز الطبيعي والكهرباء بعدما تم تحقيق الاكتفاء الذاتي محليا، فتلك ايضا بعض الاسباب الرئيسية التي سببت التضخم عالميا وحجمت اثارة السلبية محليا.
 
وفي هذا الصدد، نجد ان مبادرات البنك المركزي المصري لعبت دورا بارزا في تخطي جائحة كورونا، لا سيما مبادرات تمويل القطاع الخاص الصناعي والقطاع الزراعي وقطاع المقاولات بفائدة مخفضة بلغت 8%، بالاضافة الي المبادرات الخاصة بقطاع السياحة وايضا الشركات الصغيرة والمتوسطة ومبادرات التمويل العقارى لمتوسطي ومحدودي الدخل, فتكاليف تلك المبادرات يتحملها البنك المركزي دعما للاقتصاد القومي. في حين ان مصر تجني ثمار تحرير سعر الصرف، حيث ارتفعت صافي الاحتياطيات الأجنبية لتسجل 40.825 مليار دولار، فى نهاية شهر سبتمبر 2021.

نستنتج مما سبق انة لا داعي للفزع من شبح التضخم العالمي، فنحن تخطينا الاسوء محليا من قبل، فبالتاكيد ان مصر ستتاثر بتلك الفزاعة شانها كشأن باقي دول العالم، لكني علي يقين بمحدودية التاثير السلبي علي اقتصادنا القومي، فلا يزال معدلات التضخم سابق تحليلها اقل من مستهدفات البنك المركزي بقيادة المحافظ القدير طارق عامر احد أفضل 10 محافظي بنوك مركزية على مستوى العالم لعام 2021.

وبناء علي ما سبق، ومع ثبات كافة العوامل الاخري، لا اتوقع اي تعديل للسياسة النقدية في الوقت الحالي مع الابقاء علي اسعار الكوريدور الحالية عند مستوى 8.25% للايداع و 9.25% للاقراض حتي نهاية الربع الاول من العام القادم.

بقلم/ الدكتور احمد مجدي منصور

المحاضر والخبير المصرفي

إرسل لصديق

ads
ads
كيف تجري معاملاتك المالية خلال أزمة كورونا؟

كيف تجري معاملاتك المالية خلال أزمة كورونا؟
Top