بنوك مصر

ads
05
يونيو
02:40 م
محمد خضير
محمد خضير

اختيار منسي

الأحد 17/مايو/2020 - 08:12 م

لا يمكن أن نستهل مقالات الرأي في هذا الشهر المبارك وفي هذا الظرف دون الحديث عن الاختيار باعتباره مسلسل أقرب ما يكون لكتاب تاريخ لا غنى عنه لكل أسرة مصرية، مع تقديري للمنحى الدرامي والفني الذي أراه جيدا لكنني أترك تقييمه للمختصين، إلا أنه بالنسبة لي معايشة حياة أمة خلال ظروف عصيبة والاقتراب من حياة بطل قومي اختاره الله ليكون رمزا لشهداء سيناء في الحرب ضد الإرهاب كما كان ولا زال الجنرال الذهبي الفريق عبد المنعم رياض رمزا للشهداء أيضا.

 

ولعل أهم ما يميز المسلسل هو اسمه الذي اقتُبس من كلمة سابقة للرئيس السيسي لخص فيها حقيقة الاختيار الذي اختاره منسي والاختيار الذي اختاره عشماوي. 

 

وهذا المعنى هو الأهم، علينا أن نخلص من الاختيار بكل ما يدعمنا لنجعل اختيار منسي هو الاختيار ونقضي على كل المسارات التي تؤدي لاختيار عشماوي.  وذلك يحتاج توعية حقيقية وتصحيح لمفاهيم كثيرة، بما فيها إبراز لأهمية دور الصحة النفسية للأطفال والنشأ ومتابعتها لأن اختيار عشماوي في الأساس ناتج عن نفسية غير سوية تسعى للتسلط والتميز بأية وسيلة فتجد في التطرف ضالتها إما لتعويض نقص أو للتعالي على الآخرين بالدين، وكم من تطرف وتعال وتنمر يحتاج منا مواجهة لنفوت الفرصة على المجرمين من استقطاب كل من يعاني نفسيا.

 

لذلك، نحتاج تجميع دروس فضيلة الشيخ الدكتور علي جمعة والشيخ الحبيب علي الجفري والدكتور أسامة الأزهري وغيرهم ممن تحدثوا عن التطرف وواجهوا بتأصيل الرد على مزاعم المتطرفين وإنزال آيات الجهاد والقتال في غير مواضعها من سورة التوبة، وغيرها من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة. 

 

ولفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب نفسه بعض الحوارات الرائعة لمواجهة التطرف تحتاج إبرازا إعلاميا أكبر، وأقترح أن يتم إعداد عدد من الحلقات الإعلامية المكثفة بعنوان الإسلام بريء من سفك الدماء تبدأ بسلسلة من الحلقات مع فضيلة الإمام يبرز فيها القضايا الشائكة ويوضح دور الجيوش الوطنية وجهادها والتطرف والفكر التكفيري وفساده، والرد على مزاعمه وقادة رأيه المعوج في التاريخ الحديث وعلى رأسهم سيد قطب، بالحجج الدينية القاطعة من أعلى سلطة دينية في العالم. 

 

وبالمناسبة هذا كله جاء به المؤتمر الأخير الذي رعاه فضيلة الامام. ونحتاج دورا اعلاميا متواصلا يقدم توعية دينية، عن فساد الفكر التكفيري جملة وتفصيلا هذا بخلاف ما يتبناه الأزهر من مبادرات وحوارات متواصلة لنشر الوجه الحقيقي للإسلام. 

 

نحتاج هنا في مصر مواجهة أكثر قوة تعلي من الثقافة الدينية للإسلام الحقيقي والذي يفند الأفكار المتطرفة وتأصيلها لننقذ كل هشام عشماوي من سوء الاختيار ونفتح آفاقا أرحب للفكر المنفتح والمستنير دون إفراط أو تفريط وبتأصيل ديني، لأن الفكر المتحرر وحده لن يقوى على إعادة توجيه من تم استقطابهم باسم الدين، ولأن بعض ممن ينادون بالتحرر هم أصحاب فكر متطرف على الجانب الآخر لا يستمع او يقبل سماع الرأي العلمي في مسائل عقائدية ودينية يجب أن يأتي الرد عليها من المتخصصين.

 

لذلك وباختصار أقترح حلقات بعنوان الدين والتطرف تبدأ بحوارات مكثفة مع فضيلة الإمام، ومن ثم باقي الشيوخ الذين تصدوا لهذا الفكر المقيت الذي لا يجب أبدا السكوت عنه بجانب مواجهتنا العسكرية التي تقودها القوات المسلحة والشرطة المدنية وتبذل الأرواح لبقاء مصر في أمن وسلام. 

 

ولعل شهر رمضان المعظم فرصة لفضيلة الإمام أن يقود هذه المبادرة أو تتبناها إحدى القنوات الإعلامية برعاية فضيلته. كذلك أقترح توزيع كتاب الدكتور أسامة الأزهري "الحق المبين في الرد على من تلاعبوا بالدين" بكثافة لما فيه من تحقيق ورد على مزاعم الفكر التكفيري بأسلوب علمي ومنهج أزهري يجحد كل الشبهات التي أتى بها المتطرفون. بمعنى آخر يجب أن يكون شغلنا الشاغل وأن يتصدر الخطاب الديني الرد على هذا الفكر المتطرف الذي أساء لنظرة الكثيرين عن الدين وعن الوطنية بهتانا وزورا.

 

ومن جانب آخر، أود أن أهمس في أذن كل المتفردين وأصحاب الفكر النقدي أن التفرد ليس بالضرورة أن تخرج عن الإجماع ولا تجعلوا اختلافكم في بعض التفصيلات يفقدكم بوصلة العقيدة الوطنية الراسخة، فليس بالضرورة أن يقتضي التفرد بأن تنتقد الحالة التي اجتمع عليها الضمير الجمعي للمصريين في الانبهار باختيار منسي، اللهم إن كنت من المتخصصين في النقد الفني وتنقد العمل الدرامي وليس الحالة الوطنية التي لا يختلف عليها اثنان مصريان، ولعل فاجعة كورونا فرصة لنا جميعا أن نراجع أنفسنا وإخلاصنا لبلادنا وننبذ المزايدات والحديث بلا سند عن ميول وأهواء، فكلنا سنلقى الله بما في قلبونا وليس بما ننجح في التظاهر به.

 

إن اختيار منسي ليس في ميدان المعركة في سيناء فقط، بل هو كل اختيار مخلص للوطن فكل مسؤول يخلص لهدف ملفه ومن ثم وطنه بعيدا عن أية عوامل أخرى، يختار اختيار منسي لأنه اختيار كل مصري في أي موقع بدى مصلحة مصر فوق كل مصلحة أخرى مهما كانت الإغراءات ، وقس على ذلك في كل القرارات والخيارات بما فيها الخيارات الاقتصادية الصعبة. 

 

الاختيار على هذا النحو هو اختيار بين الصلاح والبذل في سبيل الوطن ونشر الحب والأمن والسلام لترتقي وتكون ذا قلب سليم أو اختيار تعظيم الغل والحقد والتعالي والكبر والنفعية، ومحاولة الحصول على كل شيء فتصل لطريق عشماوي أو من على نهجه من صور الشر المختلفة من استحلال ما حرم الله تحت عباءة الدين أو تحت أية عباءة أخرى تبيح ما حرم الله أو ما لا يستقيم مع حب الوطن وحب الناس. 

 

وتلك المحبة والتراحم أمرنا الله بها فما أرسل سيد الخلق صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين، لذلك لا يمكن أن يكون من الدين كل عمل أو قول يخرج عن مفهوم الرحمة وحسن الخلق أو الفطرة البشرية السليمة التي فطرنا الله عليها بأية حال من الأحوال، فما بالنا بالخيانة وسفك الدماء.

 

وفي الختام، ندعو لشهدائنا بالرحمة، اللهم ألحقنا بهم على خير، ونتذكر تضحياتهم التي لولاها لما استطعنا اليوم أن نقف على أساس متين لمستقبل بلادنا أيا كانت المصاعب التي تواجهنا. وشكرا لكل منسي ضحى ويضحي من أجل مصر، فلولاكم ما كان هناك اقتصاد او وطن مستقر نتدافع من أجل إعلاء شأنه كل منا فيما يخصه.  

 

وفي ختام مقالي واستلهاما من شخصية الشهيد أحمد منسي التي كانت تسعى لنشر السلام والتفاؤل، في ظل موجة التوقعات السلبية الظلامية التي يطل علينا بها بعض الاقتصاديين بمناسبة جائحة كرونا بصورة جازمة كعادتهم، أدعو كل من يجزم بمعرفة المستقبل والأوضاع الاقتصادية والصحية المستقبلية ان يتذكر علمه ومعرفته قبل الجائحة اكنتم تتوقعون ما حدث؟ إن العالم في اشد الحاجة لسماع أصوات أكثر تفاؤلا وقادة اقتصاد لديهم القدرة على استشراف رؤية إيجابية من رحم التحديات غير المسبوقة التي نواجهها ففي ظل هذه الأجواء، والأوطان تحتاج من يستطيعون ان يستشرفوا مستقبل أفضل لأبناء أمتهم مع إقرار صعوبة التحديات، وليس تأكيد مدى صعوبة الموقف وتوقع الأسوأ. ولكن للأسف الكثير من هؤلاء توافقوا في كل الازمات على تصدير احتكارهم للمعرفة وتوقع الأسوأ تلك المنطقة هي منطقة الراحة لهم Comfort Zone.

 

بقلم:
محمد خضير مؤسس مكتب خضير للاستشارات.

إرسل لصديق

ads
ads
كيف تجري معاملاتك المالية خلال أزمة كورونا؟

كيف تجري معاملاتك المالية خلال أزمة كورونا؟
ads
Top